محمد الغزالي
417
فقه السيرة ( الغزالي )
حج أبي بكر بالناس بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر أميرا على الحج ، ليقيم بالمسلمين المناسك ، فخرج من المدينة يسوق البدن أمامه مولّيا وجهه شطر المسجد الحرام ، ونزل الوحي بسورة براءة بعد انصراف أبي بكر ووفد الحجيج ، فأشير على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبعث بالآيات إليه ليقرأها على أهل الموسم كافّة . ورأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يرسل بها عليّ بن أبي طالب قائلا : « لا يؤدّي عنّي إلا رجل من أهل بيتي » « 1 » ، وذلك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تمشّ مع عادة العرب في عهود الدماء والأموال . ألا ترى أنه قبل هجرته وكل إلى عليّ ردّ الأمانات إلى أهل مكة ؟ إنّ أواصر القربى تقتضي التكافل التامّ في هذه الشؤون ، فكأنّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم أدّى بيده ما أداه علي رضي اللّه عنه عنه ، وكأنّه قال بلسانه في الموسم ما سيقرؤه عليّ بين الناس . ورعاية هذا الإفهام ليست فريضة ، بل هي من النبي صلى اللّه عليه وسلم زيادة حيطة وإعذار . قال ابن إسحاق : ثم دعا عليّ بن أبي طالب فقال له : « اخرج بهذه القصّة من صدر براءة ، وأذّن في النّاس يوم النّحر إذا اجتمعوا بمنى : أنّه لا يدخل الجنّة كافر ، ولا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عهد فهو إلى مدّته » . فخرج عليّ يمتطي العضباء - ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - حتى أدرك أبا بكر بالطريق . فلما راه أبو بكر سأله : أأمير أم مأمور ؟ قال : بل مأمور ، ثم مضيا « 2 » .
--> ( 1 ) حديث حسن ، رواه ابن هشام : 2 / 328 ، عن ابن إسحاق عن أبي جعفر محمد بن علي مرسلا ، لكن له شواهد يتقوّى بها ، ذكرها ابن كثير في تاريخه : 5 / 37 - 38 . ( 2 ) حديث حسن ، وهو تمام حديث أبي جعفر المتقدم .